Powered By Blogger

الاثنين، 27 أبريل 2026

الجويلي الكبير

"شيخ مشايخ العرب الجويلي.. فارس البحيرة والسياسي الداهية"

هو الفارس المقدام، والسياسي الداهية، جامع شتات العربان، نبع الجود والكرم، ملجأ الضعفاء والمساكين. عُرف بكونه "كاسر خشوم" سلاطين المماليك الچراكسة، ومؤدب المتمردين من الأعراب والچراكسة على حد سواء. هو زعيم عرب الوجه البحري، ومؤسس إمارة "بني عونة" الثانية بإقليم البحيرة في أواخر القرن التاسع وبداية القرن العاشر الهجري.
النسب والنشأة وبناء الثروة:
اسمه الكامل هو محمد جويلي بن سليمان بن عيسى بن عطية بن شبيب "أبو حنيش" العوني السلمي. ولد في منتصف القرن التاسع الهجري لأسرة ثرية من أعيان قبيلة "بني عونة"، كانت تمتلك إقطاعات زراعية واسعة في بلدة "العطف" (مركز المحمودية بالبحيرة حالياً)، بالإضافة إلى تجارة رائجة بالمحاصيل الزراعية.
وقد أعقب الجويلي عدداً من الأبناء الذكور، أشهرهم سليمان، ومحمد فياض، وحبلص. ويذكر المؤرخ الجزيري أن الأمير جويلي بن سليمان كان من أمراء القبائل العربية الذين جاءت ثرواتهم من اشتغالهم في الزراعة وتجارة المحاصيل، وورث عنه أولاده الجاه والثراء؛ فأنشأوا القصور والمدارس والزوايا، وأقاموا الدواليب ومطاحن الحبوب، ورتبوا رواتب دورية من العسل والأرز لمن يرد عليهم من أكابر مصر وأصاغرها.
تكوين الشخصية وصناعة الزعامة:
نشأ الجويلي في جو مضطرب ومشحون بالصراعات والفتن والمعارك الضارية بين العرب والمماليك الچراكسة. عايش الكثير من مآسي قبيلته، مما ساهم في صقل شخصيته الصلبة وتكوينها القيادي؛ فكما ذكر ابن خلدون في دورة حياة الأمم، "الأوقات الصعبة تصنع رجالاً أقوياء".
أما نقطة التحول الحقيقية في مسار حياة الجويلي وقبيلة بني عون، فقد كانت أحداث العامين 880هـ- 881هـ في عهد السلطان قايتباي. فبعد هجوم جيش المماليك بقيادة الأتابك أوزبك على إقليم البحيرة في أعقاب فتنة "لبيد وعزالة" لقمع ثورة العرب وتشتيت شملهم، صار اتحاد (أولاد حنيش والعقلة وأولاد الشيخ) ضرورة ملحة للبقاء بعد انقسامهم ما بين "عربان الطاعة" و"العربان العصاة" على الدولة. وفي سبيل هذا الاتحاد، تنازل شيخ العرب صقر بن عشبة بن رِحّاب العوني (شيخ إقليم البحيرة من أولاد الشيخ) بعد اجتماع المشورة لصالح محمد بن سليمان الملقب بالجويلي، وتم تنصيبه أميراً على قبيلة بني عونة وإقليم البحيرة كأول أمير من "بيت أولاد حنيش"، وبايعته القبائل على المشيخة والسمع والطاعة؛ بعد أن كانت الإمارة في بيتي العقلة زعماء لبيد (العربان العصاة) وأولاد الشيخ (عربان الطاعة).
بين الهدنة والمواجهة مع المماليك:
في بداية إمارة الجويلي، ظلت الأمور هادئة مع السلطة المملوكية، وتمكن من ضبط شؤون الإقليم وهدأت أحوال العرب فيه. واستمر هذا الهدوء حتى عام 891هـ، حين أرسل السلطان قايتباي دواداره كرتباي الأحمر "كاشفاً" للبحيرة، بهدف جمع ما يقدر عليه من أموال وخيول طوائف العربان زيادة عن الخراج المقرر. أدى هذا التعسف إلى استياء قبائل البحيرة من طغيان المماليك، فطردوا الكاشف وأعلنوا عصيانهم في شوال من نفس العام.
ويذكر الباحث شعبان أيوب في كتابه "تاريخ دولة المماليك السياسي والعسكري"، أن السلطان قايتباي والسلطان العثماني بايزيد بن محمد الفاتح وإمارة "آق قوينلو" (الشاة البيضاء)، كانوا في ذلك الوقت يتقاتلون على إمارة صغيرة جنوب الأناضول تسمى (ذي القادر). وتمخصت عن هذه الحروب ست حملات عسكرية أهلكت عشرات الآلاف من جنود المسلمين وأنفق عليها ملايين الدنانير واستنزفت خزائن الدول، في الوقت الذي كانت تستنجد بهم غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، قبيل سقوطها!
وفي مواجهة هذا العصيان، التقى الجويلي بحملة مملوكية أرسلت ضده في نفس الشهر، بقيادة أربعة من كبار الأمراء (الأمراء المقدمين). دارت بين الطرفين معركة كبيرة أسفرت عن مقتل عدد كبير من المماليك والعرب، وانتهت بهزيمة المماليك. ويذكر المؤرخ ابن إياس أن العسكر عادوا "من غير طائل"، ولم يحصلوا من الجويلي على شيء، وكان لهذه الحركة وقع شديد وصادم على المماليك والسلطان قايتباي.
السياسي الداهية واستعراض القوة:
فشل السلطان قايتباي في استمالة فرسان عرب البحيرة بالمال، حيث عرض على كل فارس 31 ديناراً، لكن محاولته باءت بالفشل بسبب الولاء الشديد للجويلي، ولفطنة العرب لمكر السلطان الذي أراد الخروج بهم لقتال العثمانيين في الأناضول، مما يسهل على المماليك السيطرة على إقليم البحيرة في غيابهم.
وفي عام 893هـ، دخل فرسان الجويلي القاهرة في استعراض قوة مهيب، حيث يذكر ابن شاهين: "وفيه وصل إلى القاهرة عربان البحيرة فدخلوها رُكباناً برماحهم وسيوفهم، وشقوا الصليبة إلى جهة الرملة، وأشيع بأنهم يتوجهون هم وعدة طوائف إلى التجريدة، ثم بَطَلَ أمر توجههم إلى التجريدة". ولم يكن هدف هذه المسيرة سوى إظهار قوتهم وجسارتهم أمام المماليك والسلطان.
صراع الوجود وخيانات المماليك:
استمرت الدولة المملوكية في إرسال الحملات لقمع عصيان البحيرة. ففي عام 895هـ، أرسلت تجريدة برئاسة أقبردي الدودار، الذي غدر بشيخ العرب صقر بن عشبة وقتله ومثّل بجثته. ويذكر ابن شاهين خبر مقتله المأساوي: "وفيه أحضر إلى القاهرة بصقر بن عُشبه بن رِحّاب أحد مشايخ عربان البحيرة وهو مسلوخ، وكان أخذه بحيلة" (رحمه الله رحمة واسعة).
وفي عام 899هـ، أرسلت تجريدة أخرى بقيادة أزبك اليوسفي، لكنها عادت كسابقاتها دون أن تتمكن من النيل من عرب البحيرة.
الجويلي بين السلطان والمتمردين:
في عام 902هـ، تولى السلطان الناصر محمد بن قايتباي الحكم وكان شاباً طائشاً، فتمرد عليه عدد من مماليك والده، منهم الأميران قانصوه الشامي ومسرباي الثور، واتجهوا للسيطرة على ثغر الإسكندرية. فلما بلغ السلطان أمرهم، أرسل في طلب الجويلي مستنجداً به. يذكر ابن الشحنة: "وَبَلَغَ الْمَقام الشَّريف نَصَرَهُ الله تَعَالَى تَوَجُه الأمراء إِلَى الثغرِ المَذْكُورِ، فَأَحْضَر الجُوَيْلِي شَيْخَ عَربِ البُخَيرَةِ وَأَخْلَعَ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَهُ فِي إِثرِهِمْ، فَأَدرَكَهُم بالْقُرب مِنَ الثغْرِ المَذْكُورِ، فَاقْتَتَلُوا وَغلَبَهم الجُوَيلِيُّ وقُتِلَ مَسْرُبَاي وَقُبِضَ عَلَى الشَّامِي وَعَلَى بَعْض أَمَرَاء العَشَرَاتِ، وَالخَاصِكِيّة، وَهَربَ الْبَاقُونَ وتبعَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَب".
لكن هذا الود لم يدم طويلاً بسبب طيش السلطان وتدهور أحوال البلاد وتطاول مماليكه على العرب. ففي عام 904هـ، ثار الجويلي متحالفاً مع ابن مرعي وأعلنا العصيان، ومنعا المماليك من تحصيل خراج البحيرة والغربية. وحين أراد السلطان تجهيز تجريدة لقتالهم، رفض الأمراء الخروج، ولم تخرج الحملة، وانتهى الأمر بخلع السلطان في نفس العام.
مد النفوذ إلى الغربية:
في عام 917هـ، في عهد السلطان الغوري، قام بعض "العربان المفسدين" بقتل أحد مشايخ عرب الغربية ونهب أمواله. واستطاع الجويلي القبض عليهم. ويصف ابن إياس الواقعة: "وفى يوم الاحد ثالث عشره جاءت الأخبار من الغربية بقتل شيخ العرب عيسى بن يوسف المعروف بابن جميل، وكان من أعيان مشايخ الغربية وكان في سعة من المال، فقتلوه أشر قتلة وقتلوا ولده معه وجماعة من حاشيته ونهبوا أمواله وأغنامه... وفي الأربعاء سادس عشره جاءت الأخبار من الغربية بأن الجويلي قبض على جماعة من العربان الذين قتلوا عيسى بن جميل، فحاشهم في مكان مضيق وأرسل يعلم السلطان بذلك". وتظهر هذه الواقعة بوضوح أن إقليم الغربية كان خاضعاً لنفوذ الجويلي في ذلك الوقت.
التحالف الكبير وخاتمة العمر:
في عام 918هـ، تحالفت سبع طوائف من عربان الوجه البحري بزعامة محمد الجويلي (زعيم البحيرة) وحسن بن مرعي (زعيم الغربية)، واتفقوا على العصيان وعدم تمكين أرباب الدولة من تحصيل الخراج بسبب طغيانهم وجرائمهم ضد العربان، خاصة وأنهم علموا بنية السلطان الغوري تحصيل المقرر عليهم قبل موعده.
وتجهز السلطان الغوري للخروج بنفسه لمواجهة هذا التحالف القوي، ولكنه تراجع بعد علمه بنية الصفويين دخول حلب.
وفي تحول غريب للمشهد، هاجمت بعض عربان التحالف إقليم البحيرة، فقاتلهم الجويلي وعين السلطان تجريدة لدعمه، انتهت بطرد العربان المهاجمين وقتل عدد من رؤوسهم! ولعلها كانت من حيل الغوري لاستمالته بعضهم بالمال أو الوعود، أو بدافع الحقد من هؤلاء على ما وصل له الجويلي من رياسة ومكانة (والله أعلم).
توفي محمد الجويلي (رحمه الله) في عام 919هـ، وخلفه ابن أخيه إسماعيل بن عامر بن سليمان العوني في مشيخة البحيرة.
وقد ذكر ابن إياس خبر وفاته مثنياً عليه: "وفيه جاءت الاخبار من البحيرة بوفاة الجويلى شيخ مشايخ عربان البحيرة وكان محمود السيرة والثناء لطرده العربان المفسدين عن البلاد وكان في سعة من المال فلما مات تقرر بعده ابن اخيه في مشيخة البحيرة".
وهذا و ديدن كتاب ومؤرخي المماليك؛ يكيلون عبارات المديح والثناء إذا كنت في صفهم، ويرمونك بأبشع عبارات الذم والسباب إذا واجهت بغيهم وثرت على ظلمهم وفسادهم!.

(تنويه: الصورة المرفقة هي رسم تخيلي للأمير الجويلي بناءً على الأوصاف التاريخية)


المصادر:
بدائع الزهور في وقائع الدهور - ابن إياس.
نيل الأمل في ذيل الدول - ابن شاهين.
البدر الزاهر في نصرة الملك الناصر - ابن الشحنة.
الدرر الفرائد المنظمة - الجزيري.
دولة المماليك التاريخ السياسي والعسكري - محمد شعبان أيوب.
القبائل العربية في الوجه البحري في مصر في العصر المملوكي الثاني - البخيت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق